|
عباس الحربي - 5/9/2009
المنظر 
في مقبرة ، يَتميزُ فيها قبر ما،عُلقت عليه نياشين ، وحناء ، وَخرقٌ ملونه ، وكأن شاهدته نصباً ًًًلفارس أسطوري قد مضى ، يدخل المسرح رَجل تجاوز الخمسين، وَهو يَجرُ حبلاً، رُبطتْ فيه فتاه ، تَتدلى ضفائرها ، وهي تُسحبْ على (سديه ) مَصنوعة من القصبِ ، يبدو أنَ الفتاه حبلى ,الرجل المسنُ مَتهدج الصَوت ، والقوى يُدعى سويلم .
سويلم
الفَجرُ يَزحفُ نَحويَّ كحيوانٍ نافق يَخشى رَفسهَُ أنثاه..يَدنوا إليَّ مثقلاً بليلِ حامض من نقيع الرذائل ، يَقتربُ الفجر إليَّ ، ولا رَحمْ يسرقني من هذا العمر، لأول الصراخ ،هل من جرذِ يرضاني جاراً بجحره،ضاقت فيَّ دنياي،تخنقني ثيابي ، وكان أفواجاً من الجن، تمسك بمسبحتي ،من يوصل استغفاري ، وأنا أقف عارياً تحت عيون الله ، يتكسرُ ثوبي على بدني كرغيفٍ منسي بتنور
أفنيتُ عمري أحلمُ بفجر فأتاني من خلفي ظلاماً ، يولد ظلام كالحة روحي ، كنت دائماً أتمنى أن أضع تحت لساني حلوى عُرسكْ.... أيتها الوحيدة،لما امتدتْ يدك إلى فمي ، بحصى بالت عليها الثعالب.... آه أيها الأموات الساكنين قبوراً أمنه ، مَنْ طرقَ باب بفحشاءِ،أتوسل أليكم لا تفزعوا الرجل (الخَيّرْ ) المتوسد ذاك القبرَ، الشامخ بالنياشين ، أخاف أن تنكسرَ سارية خاطره ، لقد أفنى عمره كله من اجل أن يتقن ميتتهُ ، ويَمسك صراطه بكفِ فلاح لم ينجبْ غير أهــه رماد مثلي اسماها (سويلم ) آه مني , وآه على أبي ، أنا ولدك الذي ما مالت على فكهِ
خوذه القيامة، يوم اندلعت رؤؤس نخيلها ؟ أنا ابن الدار التي اهتدى التائهون على نار دِلالها...منْ يَعيرنيْ أصابعهُ لأعظ عليها سنين الندم ؟... ليس هابيل هذا الذي أجرهُ خلفي يا أبتي ... انهُ لحمي الذي أحالهُ غرابُ الظنون إلى جيفهِ، تَلعَقُها السنُ جيراني على باب داري ، تصطكُ أضراسهم على الكلام فيخرج سكين درداء يُمزقُ كرامتي ...آه يا أبي لو رَفعتَ يَدكَ قليلاً من هذا القبر.... لارتطمت بالكلام الفاسد، وهو يصرخ فيَّ...أأبنتَ سويلم حُبلى ؟والعُرسان هناكَ يَتوسدونَ البنادق ، أبنت سويلم حبلى ؟ومغني الحي أكلَ الطبلُ من سنين وَسكتْ ...أبنت سويلم حبلى؟ ...والفاتحة لم تُقرأ في قريتنا إلا على القبور... إلى الأمام تتقدمُ بطن حفيدتكَ كل ساعة ، بل كل دقيقه كجندي فاتح لأرض ليس له فيها قرار... انتفاخ... انتفاخ... انتفاخ ، لما لا تنتفخ أعمالَ الخير؟ هكذا أيها الميتون ...لا أدري مني بالفعل الصالح من الطالح... لقد أفنيتُ عمري كله ، وأنا أوقظ العيد من نومه ، حتى جفت على لحيتي كل دموع اليتامى ، أهكذا انحسرُ ككبش في زريبةِ ذئاب ... واحَيفي على عمري لما تركتموني عارياً ، تنزلق على جسدي الرذيلة ، لقد بصق الأحياءُ لعُابَهم ْفي صحن الخميس.... يا أهلي ، فأغلقوا قبوركم بعد اليوم ، لا ثَوابْ ,لا شَمعه ، ولا حناء ...ابنتنا خرساء ؟كان سنه من الخطيئة ألقمتها حجراً ... انطقوها أيها المرتفعون بإقدامكم عن الرزايا...عفراء قولي يا ابنتي تكلميْ... الأموات يَستحلفونك ، من ذا الذي ملآ صحن بطنك بالدنس، ما أسمه؟ ما جنسه؟ ما ملمس كفه ؟هذا الذي أناخ خمسون عاماً من العض على كلمه حفظتها سيقان النسوة قبل أفواه الرجال ، قولي كيف لخيط خطيئة واحد أن يغيب كل حبال الخير الذي رضعناه من أثداء معزه سميناها الدنيا ؟آي دنيا هذه التي يرمي فيها النذل كسائه على عريَ الشرفاء ...آه بأي كفٍ الطمُ لحيتي؟ والغربان تقف على ساق واحده تترصد ذلي ، عفراء يا( أبنَتْ) روحي ماذا أقول لحفار القبور؟ إذ يسأ لني عن ضفيرة نذرتُ عمري لها حناء طاهرة ...فأصَبحتْ نائمة على وسادهِ من قملِ الفضائح , ماذا أقولُ للاطمات الشامتات؟ وَعويلهنْ ، ذاك العويل على رجل زحفت أمامه الفضيلة إلى قبره ، كنت تسمينه جدي ...لو يعلم الجَدْ أن شهوتكِ أحَرقتْ كل أهازيجَ البيارق ، ورجزها لبلعَ شاهدةَ قَبرهُ عن ارض مشيتي عليها :أبي ليس انتصاراً هذا الذي خلفته ورائك ، بل دخان أضاع علينا شرف التراب ، من شرف النوافذ ...لقد تسلل الدنس إلى داري ، وَرشق وَجهَ أبنكَ بفعل يَخرُ من مؤخراتِ كلاب داره ...أنا لم أعدَّ فنجانك الذي كنت تطربهُ على خاتم أصبعكَ فَيردَ
صداه شعراً (موال مناسب ) عَفراء قوليْ لي .....من هو ؟ لا
ترفسي... ركضنا قبلك على هذه الأرض ، وعرفنا أن مَسار ألمنيه لا يَربكها احتضارُ مقتول ... قولي قبل أن يَندفعُ خنجري للبطن الآثم ...ما اسمه ؟ لماذا تصمتين؟ أنا أبوك سويلم... أتذكرين ذراعي هذا كمْ تَوسد ته ؟ وأنا أقصُ عليك ألحكايا التي تحبين... سأحكي لك حكايةً بليغة، رُبما اهتدى حصاننا وأكلَ البرسيم بدل هذا الطين الذي ملأ فمه صمتاً ، تخر أمامهُ ركبْ الراكبين.. كان ياما كان في قديم الزمان ... قد ورث المختار عن أبيه مسبحة من حجر السليمان لا يخترقها انس ولا جان ، وكان هذا المختار، ينتظر زواج ولده يوم بعد يوم ، وسنه بعد سنه ، حتى جاء اليوم الموعود ... فدق الطبالون الدفوف ليفرحَ كل قريب وبعيد ...إلا الفلاح حَسانْ ،الذي تَوسَد فراش ولده يقظانْ المصاب بمرض عضال، ولم يتركه رجال المختار، إذ لابد من حضور الفرح مهما كان ، وترك ولده يقظانْ على الفراش تأكل بدنهُ الحمى... فأستوقف يقظان ، أبيه ، واستحلفهُ أن يأتي له بلحمهٍ من وليمهِ عرس ابن المختار، فوعدهُ خيراً حسان، وذهب محني الظهر متظاهرًا بالفرح مع الفرحين ، وحين حظر الطعام ،وبدأ الرجال الفرس ، تذكر حسان ما وعد به يقظان، فأغتنمَ انشغال الناس ، وَدس في ثوبهِ قطعه لحم ، استقرت بين صدره، وحزام ثوبه، فاطمأن لطلب العليل يقظان، وكان الصغير ابن المختار فرحاً، بعرس أخيه الكبير، فشاغل أبيه المختار، واخذ من يده المسبحة ، وضاعَ مرحاً بين (دبكات) النساء، وصواني البطيخ ... فأنتبه المختار ليده ، وحينَ لم يَجدْ مسبحته ، جن جنونه ، وصاح ليصطفَ الجميع، فأن احدهم قد سَرق من يدي مسبحة العريس ...ففتشوا الفلاحين صبي صبي ورجل رجل ، إلا حسان الذي أخذهُ الحياء ، وَضلَ ماسكاً تَحتَ ثوبه أللحمه ، وهو يرتجفُ من الحياء ، وكل العيون تطارده اتهاماً , ولا احد يدري إن تحت الثوب لحمه تأكل ضميره ، فأمر المختار أن يركلوه بالوحل، وصرخ فيه ...ستلعق مخاطَ الأرض بالطين والوحل ،أيها السارق حسان ....فقارع الموت، وهو يقف مثل حائط طين له عينان، وبيده لحمه يقظان مغمسة بالدم ، والعرق والطين، وحين اقترب إليه ولده همس بأذنه ، وهو يضع بكفهِ أللحمه قبل أن توافيه ألمنيه : لقد أوفيت بديني يا ولدي يقظان، فالموت لا يفسد خطوتنا الحقيقة ...فأوفي أنتي يا عفراء لرجل صار عمرة عقاباً له، وقولي الحقيقة، ما أسمه؟ أن كانَ من الأنس أو الجان...ضعي لسانك على راحتي لا قرأ أبجديه نزف الكلام المعباء بليل حواء ....ردي ثوب الستر على بدني ، الله... الله .... من ليلهٍ يحكم فيها على شرفكِ بالإعدام ...وتضل حي تتوسل الكلمة ، أبي... أيها القبرُ الذي يمشي فينا على ظهر حوت، الم أكنْ دَمعتكَ ذات وَداع ؟ الم أكن كفكَ حين أنثلمَ الرغيف ؟المْ أكن حزام ظهرك حين عصفت الرياح بالخيام ؟الم أكن أخر من مسحت عيناك وجهه لحظه الوداع ؟ لماذا تشيح عني؟ سأبقى هنا يا أبي أهزَ وسَطي على ناصيةِ قبرك حتى يعلن الدود عَفوه عن الموتى، ويتوجه إليّ (يأخذ دفاَ كبيراً)أيها الزار لا ادريّ ما تحت جلدك ، وما في قفاك، غير أني مَللتُ صَوتَ الخناجر ... كيف اذبحها ؟؟؟ وليس هناك شاهد سوى هذا البطن المنفوخ "كيف اذبحها؟؟؟ وأنا لا اعرفُ اسم غريمي ،ما نفع أن أتورط بدبق الدم ، والذئب طليق ...انطقها أيها الزار، ربما حزنَ جنَّ الأرض من اجلي ، ما أسم هذا الذي مر على ثوبي بحافر حصانه؟ أيها الأزرق ...أيها الأحمر ...أيها الأصفر ...يا شمهورش ويا بُرقان ، يا كل عفاريت الأرض ، ضعوا أصابعكم بالبلعوم الآثم لتسقط بين عظام الأموات تلك الحقيقة، التي صيرتنا خرافاً، تتوسلَ الصدق من جنَّ، وعاهرة" انهض " انهض " انهض (يبدأ طرق الزار, حتى يمتد بجانب ابنته ، ويأخذ شالها فوق الدف ، ويبدو كأنه درويش، ويتحدث كأنهُ مستحضر روح ابنته ) جارتنا سعده هي من أردتنيَّ حبلى يا أبي ، هذه العجوز التي لا تقوى على تلقيح نخله دارها، أخذتْ بيدي هناك ، حيث البخور يلسعُ عيون الجنَّ ...وعطر العنبر يَرقص على نقر الزيران ...همست بأذني : عفراء... يا عفراء ليسَ لديك غير وَصاياي؟ ليطرق العرسان بابك ، لا تأكلي البلحَ فاصلُ الشهوة من العسل؟ لا تغسلي ثوبك بما ء النهر؟ كي لا تغوي الشيطان ، اشربي الحليب المغسول بالخروع، وماء بارود المعارك كي يرمي العرسان قمصانهم الكاكيه في باب دارك ، فشربت سَحرَ سعده حتى انَتفختْ هذه البطن ، وعاد العرسان محمولين على اللوح يا أبي ...أيها المشيعون.. سقطتْ جنازتكم في بطني ...لا تبحثوا في خرق النعوش حقيقتكم... هنا مشجب رصاص في بطني ، وحدي من تَحملَ َشروط بقاء قريتكم بلا خطيئة ، اذبحني يا أبي ، كي تبدأ قيامه الشرفاء ....انهضوا أيها الأموات، واحكموا بيني وبين هذا البقاءْ... آه يا ابنتي اذبح كيساً من الرصاص عبناه بأيدينا نحن ....آه يا عفراء ليس فينا مهزوم ، ومنتصر، كل شيء لحسته الأحقاد ، أي مسخٌ هذا الذي نمنح فيه قلوبنا للعزاء صاغرين ...أيها المدججون لا توزنوا رؤؤسكم بالحجر، والرب مشغولُ بمباركتكم ،آه يا ابنتي ... أنائمة أنتي؟ أم ميتة ؟ الرصاص هكذا دائماً ، يبحث عن مكان أمن في أجسادنا ، أبي كنت تقول لي لا تحنيّ راسك أذا لمْ يكنْ مقطوعاً ، أعطني رقبة تَحملُ كل هذا الهذيان ، حروب ، رصاص ،شرف ، وملامة ، نزاهة ، وسلام ، رؤؤس ، وعقال ، جهل ، ودروب ، هزيمة ، انتصار، شوارب، ومال ، حدود، واغتراب ، دين ، يمين ، ودين، يسار.
(يستمر بهذيانه، وهو يجر ابنته من حيث أتى )...***** (النهاية)
عباس الحــربي |