|
سمر المقرن - 30/9/2009
يظل صغيراً لا يكبر، إنه برغوث مزعج يعمل مربو المواشي والأطباء البيطريون على نزعه لترتاح مواشيهم، هذه هي الحشرة الطفيلية المسماة بـ (القراد)، وقد جاء في بعض أبيات الشعر منها ما قاله الحطيئة:
لعمرك ما قراد بني كليب إذا نُزع القراد بمستطاع
وصف القراد أراه ينطبق على بعض المتطفلين على ساحاتنا الثقافية والفكرية والإبداعية تماماً، ولم أجد وصفاً أدق من هذا الوصف، ولا أبلغ ولا أكثر دقة في وصف حال هؤلاء الناس، فهم أناس يحبون عالم الثقافة والفكر والإبداع محبة مخلصة وصادقة، ولذلك تراهم يترددون على كل ندوة أو محاضرة أو أمسية، ولا تفوتهم أي مناسبة حتى ولو لم يدعُهم أحد، وإن كانت في الربع الخالي، ومهما كانت ظروفهم صعبة فلايتوانون عنها، حتى وإن ذهبوا مشياً على الأقدام، ولا ينسون أن يستعرضوا زياراتهم لمعارض الكتب، وأن يسردوا بتفصيل ممل تلك الزيارات، في أي فندق سكنوا وكم من أصدقائهم المثقفين التقوا، وآخر الكتب التي قرؤوها لكي يذكرونا بأنهم يقرؤون ويتابعون الحراك الثقافي، هذا السرد يبرز كثيرا عبر المدونات أو منتديات الإنترنت، وأحياناً في الصحف الإلكترونية، وأحيانا أخرى في صحف ورقية عن طريق الفزعة، و«حَبّ الخشوم» المتواصل بدءاً من حارس الجريدة مروراً بمحرري القسم الثقافي، وصولاً إلى رئيس القسم، لعله يعطف عليه وينشر له هذا المقال اليتيم.
مشكلة محبي الثقافة هؤلاء أنهم لا يستطيعون تجاوز درجة (المحب) إلى درجة (المثقف الحقيقي)، ولذلك يبقون طوال حياتهم محبين ومريدين لا أكثر، وللأسف حتى الآن لم يتم اكتشاف دورات في البرمجة العصبية تحول جليس المثقف إلى مثقف، ولا يمكن أن يساعدهم أحد على تحقيق هذا الحلم، هذا ليس عيباً ولا يمكن أن يُلام الإنسان على ما قسمه الله له من ذكاء وفطنة وقدرات إبداعية وفكرية، لكن المشكلة والعيب الكبير أن الأخ الفاضل (القراد) يمل ويضجر من البقاء في المراتب الخلفية، وأن الدعوات لحضور الفعاليات الثقافية تستمر في نسيانه، وتتعب روحه وهو يرى غيره يؤلف ويكتب ويصنف الكتب ويتعب فيها، ثم يرون ثمرة نجاحهم في المجد والشهرة، بينما أخونا (محب الثقافة: الأستاذ قراد) لا يعرفه أحد، ولا يقوم له أحد في مجلس، هذا الوضع يستمر في الضغط على أعصاب الأخ القراد حتى ينفجر أخيراً معلنا الثورة على وضعه، وساخطاً على قسمة الله، هنا تبرز مشاعر الحسد على حقيقتها، وتتكلم بصراحة وتنسى قالب المجاملات التي تعودت عليها سنوات طويلة، ويتفسخ الوجه المُقنّع عن حقيقته التي طالما فرّ منها، فتتغير روح الأخ محب الثقافة إلى كاره للمثقفين، وحاقد على المبدعين، فيبدأ في الثورة والهجوم وإعلان الانتفاضة، ويبدأ في التركيز على جزئية أن المثقف الحقيقي لم يولد بعد فانتظروا ولادته، وهذه المرحلة هي التي يتحول فيها أخونا إلى حالته (القرادية) عافانا الله وإياكم من ذلك، فيبدأ في تصنيف الكتّـاب والمثقفين، فهذا جاهل وذاك سطحي، وتلك لا تملك القدرة على رسم الصور الإبداعية، يعطي لنفسه منصب الحكم والتصنيف برغم أنه لم يؤلف ولم يصنف ولو حتى كتاباً واحداً في أي فن من الفنون، كنت آسى على وقت هؤلاء الناس، وأتمنى لو أنهم استغلوا الوقت وسخروه للتأليف بدلاً من ضياع العمر في حسرة مراقبة الناس، لكني وجدت أن الأسى على أوقاتهم لايفيد، لأنهم لو عاشوا مليون سنة وخمسين عاماً لما استطاعوا أن يكتبوا كتاباً واحداً فيه كل عيوب الدنيا، ببساطة لأنهم لا يملكون الموهبة ولا الذكاء، وهذا قدر الله أولاً وأخيراً. فصرت آسى على حالهم لأني لا أستطيع أن أصنع لهم شيئاً، وليس بيدي مساعدتهم، وسيستمر الوضع على ما هو عليه، هناك من يبدع ويؤلف كتابا في فكر أو رواية أو ديوان شعر، وهناك من ينحصر دوره في كل حياته أن يقول إن أعمالهم لم تعجبه ويكتفي بذلك. |